تعرف على الجذور التاريخية، المراجعات الفكرية، والمطالب الديمقراطية التي أسست لهوية الحزب الاشتراكي الموحد في نضاله نحو مجتمع الكرامة والعدالة الاجتماعية.
لا يمكن قراءة تاريخ ولادة الحزب الاشتراكي الموحد بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي لانتفاضة 23 مارس 1965. ففي ذلك اليوم، شهدت شوارع الدار البيضاء واحدة من أعنف المواجهات في تاريخ المغرب الحديث، حيث واجه المتظاهرون تدخلاً عسكرياً قاسياً، شمل استخدام الدبابات والمروحيات العسكرية والرصاص الحي ضد جموع المحتجين. لم تكن تلك الأحداث مجرد غضب عابر، بل كانت لحظة قطيعة سياسية وفكرية عميقة كشفت عن أزمة الهياكل التقليدية وعجزها عن استيعاب التحولات المجتمعية.
لفهم جذور هذه الانتفاضة، يجب العودة إلى التحولات البنيوية التي شهدها المغرب. تاريخياً، كانت الاحتجاجات في المدن المغربية، التي كانت تحت سلطة "المخزن"، تتخذ طابعاً مقنناً ينتهي غالباً بوساطة العلماء وتلبية مطالب محدودة. غير أن الاستعمار الفرنسي دمر هذه الهياكل التقليدية ورسخ نموذج الدولة المركزية، مما أدى إلى تضخم المدن وظهور أحياء الصفيح وتهميش واسع النطاق. في هذه الجغرافيا الحضرية الجديدة، اختفى دور "الوسطاء" التقليديين، وبدأت تتشكل ملامح غضب من نوع جديد.
لم تكن شرارة الانفجار مرتبطة بأزمة سياسية كبرى بقدر ما كانت نتيجة لقرار إداري بدا مجحفاً في نظر الفئات الشعبية. فقد أصدر وزير التعليم آنذاك، يوسف بلعباس، مذكرة تمنع التلاميذ الذين تجاوزوا سن السابعة عشرة من ولوج السلك الثاني من التعليم الثانوي. في سياق مغرب الستينيات، كان هذا القرار يعني عملياً طرد حوالي 60% من التلاميذ. بالنسبة للأسر الفقيرة وسكان أحياء الصفيح، كانت المدرسة تمثل الأمل الوحيد للترقي الاجتماعي، وبإغلاق أبوابها، شعر الكثيرون بأن الدولة تغلق أمامهم أبواب المستقبل.
بدأت الأحداث في 22 مارس بتجمع سلمي لآلاف التلاميذ في ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء. ومع التدخل العنيف لقوات الأمن، امتدت الاحتجاجات إلى الأحياء الشعبية، حيث انضم الآباء والشباب العاطلون عن العمل إلى صفوف التلاميذ. وفي 23 مارس، تحولت شوارع العاصمة الاقتصادية إلى ساحة لانتفاضة عارمة رُفعت فيها شعارات تندد بالأوضاع الاجتماعية والسياسية. وقد قوبل هذا التحرك برد عسكري غير مسبوق في عنفه لوأد الاحتجاجات.
وقد كان وراء تنظيم هذه المسيرة وتأطيرها مجموعة من الشباب والتلاميذ، من بينهم محمد المحجوبي، أحمد حرزني، ومحمد تيردا، الذين شكلوا إطاراً سرياً تحت اسم "الشبيبة التقدمية المغربية" (J.P.M). لقد استخلص هؤلاء الشباب، بعد خيبة أملهم من مواقف القيادات التقليدية، أن أحزاب الحركة الوطنية استنفدت دورها، مما دفعهم للعمل على توحيد الحلقات والشروع في بناء تنظيم ثوري مستقل يتبنى المطالب الجذرية للجماهير.
أسفرت أحداث 23 مارس عن شرخ سياسي ومجتمعي عميق. وفي حين ألقى النظام باللائمة على المعلمين والمثقفين، اعتبرت قوى المعارضة، وعلى رأسها المهدي بن بركة، أن ما حدث هو دليل على "إفلاس الاختيارات السياسية والاجتماعية". شكلت هذه الأحداث الدامية فاتحة لما عُرف لاحقاً بـ "سنوات الرصاص"، وأسست لنمط جديد من "السياسة من الأسفل". الأهم من ذلك، أنها كانت القادح الذي دفع جيلاً كاملاً من الشباب المناضل نحو الراديكالية وتأسيس المنظمة الموحدة "ب" (التي ستُعرف لاحقاً بـ "23 مارس")، والتي ستشكل إحدى أهم الروافد الفكرية والسياسية للحزب الاشتراكي الموحد في مساره نحو النضال الديمقراطي.
تم التأريخ الرسمي لميلاد المنظمة الموحدة "ب" يوم 23 مارس 1970 وفاءً لذكرى الانتفاضة. تشكلت المنظمة من توحيد عدة حلقات (كحلقة آسيدون وحلقة فاس)، وكانت أغلبيتها الساحقة من شبيبة انتفاضة 1965 المستقلين (وليس كانشقاق عن حزب التحرر والاشتراكية أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كما يروج). بدأت مرحلة العمل السري بتبني الفكر الماركسي اللينيني والراديكالية المطلقة.
العمل السري الراديكاليفي 15 نونبر 1979، صدر العدد الأول من جريدة "أنوال"، لتشكل على مدى 17 سنة مدرسة صحفية نضالية متميزة بناها أطر منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (منظمة 23 مارس سابقاً). لم تكن "أنوال" مجرد جريدة ورقية، بل كانت إطاراً نضالياً يصنع الأمل في الديمقراطية ومنبراً للفكر العقلاني النقدي لزعزعة كل الميولات الدوغمائية.
منبر الفكر العقلانيتأسست المنظمة في ظل الشرعية من طرف أطر "حلقة فاس" العائدين من المنفى بعد عفو 1981، والذين كانوا قد راجعوا مواقفهم أواخر 1974 ليتبنوا أطروحة المسلسل الديمقراطي من داخل المؤسسات بمرجعية الاشتراكية الديمقراطية. برزت المنظمة بقوة في البرلمان والكتلة الديمقراطية بقيادة آيت إيدر.
العمل المؤسساتي العلنيبدء مسار تجميع شتات المجموعات الماركسية واليسارية، حيث اندمجت المنظمة مع "الحركة من أجل الديمقراطية" و"الديمقراطيون المستقلون" لبناء كتلة يسارية وازنة وقوية.
تجميع شتات اليساراكتمل التأسيس بانضمام تيار "الوفاء للديمقراطية". تبنى الحزب رسمياً مطلب "الملكية البرلمانية" كحل جذري ورئيسي للانتقال الديمقراطي الفعلي بالمغرب.
مطلب الملكية البرلمانيةشهدت السبعينيات صراعاً فكرياً حاداً داخل "الحركة الماركسية اللينينية المغربية"، تمحور حول الموقف من قضية الصحراء المغربية. انطلقت أطر "حلقة فاس" داخل منظمة 23 مارس أواخر سنة 1974 في مراجعة جادة خلصت إلى الانخراط في الإجماع الوطني واعتبار الدفاع عن مغربية الصحراء هو "قضية وطنية مقدسة" وجزء لا يتجزأ من صراع الشعب المغربي ضد الاستعمار.
لم تقتصر المراجعات على الوحدة الترابية، بل شملت استراتيجية التغيير. تخلت هذه الأطر عن الخط الجذري متبنية "خط النضال الديمقراطي" وإصلاح النظام من داخل المؤسسات. ارتكز هذا التحول على إدراك ناضج بأن التحول نحو الديمقراطية يجب أن يتم عبر تراكم الإصلاحات والعمل المؤسساتي (وهو ما شكل النواة لتأسيس منظمة العمل الديمقراطي لاحقاً)، ليتطور هذا الفكر في النهاية إلى صياغة المطلب التاريخي المتمثل في "الملكية البرلمانية".
القائد التاريخي ورمز الوحدة والنزاهة. يجمع بين شرعية جيش التحرير والمقاومة المسلحة، وشرعية النضال الديمقراطي المؤسساتي المعاصر.
مؤسس المنظمةفاعل مباشر في انتفاضة 1965 وأحد المؤسسين الأوائل للتنظيم السري لـ 23 مارس. حوكم غيابياً بالمؤبد مرتين، وقاد من منفاه (طيلة 22 سنة) نضالاً حقوقياً مستمراً بباريس، قبل عودته للمساهمة بقوة في تأسيس اليسار الاشتراكي الموحد.
مؤسس ومناضل حقوقيمن أبرز منظري حركة 23 مارس، زاوج بين الاجتهاد السياسي والفكر النظري. قضى 18 سنة في سجون الاعتقال، وساهم بقوة في التنظير لدمقرطة الدولة والمجتمع قبل استشهاده الغامض سنة 1992.
مفكر وشهيدمن القيادات التاريخية لمنظمة 23 مارس السرية، ومسؤول تنظيماتها. ساهم بقوة في المراجعات الفكرية الحاسمة للمنظمة وكان من مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد.
تاريخي تنظيميصيدلانية ومناضلة بارزة منذ حقبة "23 مارس". تعتبر إحدى رائدات النضال النسوي اليساري بالمغرب، ساهمت بقوة في تأسيس "اتحاد العمل النسائي" وجريدة "8 مارس"، مدافعةً عن التغيير الجذري وحقوق النساء.
رائدة النضال النسويمن قيادات التأسيس التاريخية لمنظمة 23 مارس. برز نضاله مبكراً ضمن تجربة "نادي الوعي" وفي صفوف الحركة الطلابية، ليواصل مساره الملتزم عبر منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
من قيادات التأسيسمناضل ومعجمي فذ، جمع بين الالتزام السياسي والثقافي. من قادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والمحيط الأول لمنظمة 23 مارس. تميز بنضاله الحقوقي ودعمه الكبير للكفاح الفلسطيني، وظل وفياً لهوية المثقف العضوي.
مثقف ومناضل عضوييتبنى الحزب هوية "الاشتراكية الديمقراطية"، محاولاً تجاوز القوالب الماركسية الجامدة نحو رؤية عصرية تجمع بين العدالة الاجتماعية والحريات الكونية، مركزاً على المحاور التالية:
إقرار إصلاحات سياسية ودستورية عميقة تعبد الطريق لإقرار ملكية برلمانية فعلية ينعم في ظلها المغرب بالديمقراطية الحقة، وتتيح فصلا حقيقيا للسلط وحكومة مسؤولة.
وضع حد لاقتصاد الريع والامتيازات والاحتكارات، وبناء اقتصاد وطني قوي منتج للاستثمار وموفر لفرص الشغل، مع إنهاء العمل بنظام الرخص في قطاعات النقل والمقالع.
ضمان الحق في التربية والتعليم للجميع ومجانيته وإجباريته، والدفاع عن المدرسة والجامعة العموميتين كقاطرة فعلية للتنمية الشاملة وأساس لتكافؤ الفرص.
النضال من أجل بناء دولة العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان توزيع عادل للثروة بين جميع الفئات وتوفير شروط العيش الكريم.
النهوض بالصحة العمومية واعتبارها أولوية أساسية، مع توفير حماية صحية حقيقية وإقرار مجانية التطبيب والعلاج، وتعميم التغطية الصحية لكل المواطنات والمواطنين.
إقرار المساواة الشاملة والفعلية بين المرأة والرجل في جميع المجالات دون قيد أو شرط، ومناهضة كل أشكال التمييز الممارس ضد النساء لضمان كرامتهن الإنسانية.
يروم الحزب الاشتراكي الموحد إحداث نقلة فكرية وسياسية نوعية تستند إلى تطوير خطه السياسي المتبني لديمقراطية بأفق اشتراكي. وينخرط الحزب بقوة في "الحراكات الشعبية" لتحويل المطالب الجماهيرية إلى مكتسبات سياسية واقتصادية واجتماعية، مناضلاً من أجل إرساء "ملكية برلمانية" كمدخل حاسم للانتقال الديمقراطي.
يؤكد الحزب على أن هذا المسار يجب أن يتعزز بثورة اجتماعية وبيئية سلمية وبنهضة ثقافية تنويرية تحافظ على الإنسان وعلى التوازنات البيئية، بهدف إرساء مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي يضمن كرامة المواطنات والمواطنين ويحصن السيادة والوحدة الترابية للوطن.